Make your own free website on Tripod.com

عند باب الفراديس وعلى بعد مائة متر من المسجد الأموي عند شارع متفرع من شوارع دمشق القديمة بقعة شرفت بآل النبي (صلّى الله عليه وآله) في تلك البقعة قبر لبنت صغيرة عمرها بين 3 ـ 4 سنوات ولكن أية هيبة طوقتها وأية منزلة تلك التي بانت فوق قبتها الشامخة ومآذنها العالية وتلك الإيوانات المحيطة بها والصحن الكبير لاستيعاب الزائرين. أية منزلة لا زالت تلاصق قبرها الشريف!

ألم تكن تلك تكملة للمسيرة لتمض (بنا على هدي إلى لقاءٍ بالإمام المنتظر) كما يعبر الشاعر الشيخ نبيل الحلباوي.

(السلام عليكِ يا ابنة الحسين الشهيد الذبيح العطشان المرمل بالدماء السلام عليكِ يا مهضومة السلام عليكِ ما مظلومة..)

إن من يزور مقام السيدة رقية (عليها السلام) سيشعر بالحزن وهو يرى تلك اللعب المختلفة والهدايا… نعم لأن صاحبة المقام طفلة لم تنعم بطفولتها ولم تنعم بأيام حياتها… ويوم أرادت أن تلتقي بأبيها لم ترَ إلا رأسه لتلفظ أنفاسها الأخيرة وتموت.

والملاحظ أن شيعة آل العترة الطاهرة (عليهم السلام) لم يتركوا أو يتجاهلوا أي مرقد من مراقد أهل البيت (عليهم السلام) من صغيرهم إلى كبيرهم فها هو مرقد الطفلة رقية (عليها السلام) والتي لم يتجاوز عمرها الأربع سنوات تتوالى عليه التجديدات والعمران، فقد أصبح قبرها الشريف من المشاهد المحقق ثبوتها لدى المسلمين، ذكر في كتاب (نور الأبصار) للسيد مؤمن بن حسين الشافعي المديني المعروف بالشبلنجي في أوائل القرن الرابع الهجري، قوله: أخبرني بعض الشوام أن للسيدة رقية ضريحاً بدمشق وأن جدران قبرها قد تهدمت فأرادوا إخراجها منه لتجديده ولكن. لم يجرؤ أحد على النزول إلى القبر من الهيبة فدعي شخص من أهل البيت هو السيد مرتضى إلى منزل قبرها فنزل قبرها ووضع عليها ثوبها ولفها فيه وأخرجها فإذا هي بنت صغيرة، فبدأت العمارة الأولى لقبرها الشريف وكان ذلك سنة (1280هـ).

وفي عام (1323 هـ) جدد قبرها للمرة الثانية إذ أشار السيد محسن العاملي في أعيان الشيعة بقوله كتأريخ لهذا التجديد شعراً:

تمســـــك بالولاء لآل طه *** بحبهم غداً في الحشر تسعد

وهذا باب حطة فادخلوها *** وأنـــــتم ركـــــــــع لله سجد

وبعدها جاءت العمارة الثالثة حيث جددت الواجهة الأمامية للمقام الشريف سنة (1334هـ) أما العمارة الرابعة والأهم التي تظهر فيها الحلة الحالية للمقام فقد بدأت عام (1404هـ) وأكمل سنة (1410هـ). وقد وسع المقام الشريف أضعاف ما كانت عليه مساحته الأولى وأقيمت فوق البناء للضريح قبة شامخة ومآذن جانبية عالية، ووسع الجامع القديم الملاصق لقبر رقية (عليها السلام) والذي تقام فيه صلاة الجماعة. ويمتاز البناء الداخلي للمقام بصورة رائعة الجمال من الزخرفة الإسلامية والمرايا والثريات ومخطوطات بالغة الإتقان للآيات القرآنية الكريمة. أما المنظر الخارجي للمقام فيظهر كشكل متناسق الأبعاد تمتزج فيه روعة العمارة مع جاذبية الروح التي تندفع مع صاحبة المقام الشريف.

رقية الطفلة .. رقية الشهيدة

رقية في اللغة: إن للاسم تأثيراً عميقاً في النفس البشرية كما أثبت علم النفس وكلمة رقية ـ كما جاء في اللغة ـ هي تصغير راقية بمعنى الارتفاع والسمو والتصغير هنا للتحبيب(1).

وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (إن من حق الوالد على ولده ثلاث: يحسن اسمه، ويعلمه الكتاب، ويزوجه إذا بلغ)(2).

وهكذا الحال بالنسبة لجميع أرباب الوحي فإن اسمائهم جميلة وزينة في معانيها تدل على الرفعة والطهر والنقاء…

ومن معنى اسمها الشريف وهو الرقي والسمو أخذت رقية (عليها السلام) ذلك السمو الروحي والارتقاء والشفافية، والذي رعاه الإمام الحسين (عليه السلام) في أبنائه وبناته ورباهم على الحب الإلهي فكشف لهم ما لم يكشف لغيرهم..

وبرغم صغر سنها فإنها واجهت كل تلك الآلام والمصاعب خلال تلك الرحلة الشاقة والمتعبة بينما كانت السياط تلهب جسدها فقد روي أنه بينما كانت الغاسلة تغسل البدن الطاهر لرقية (عليها السلام) توقفت عن الغسل ونادت: من هي راعية الأسرى؟! قالت زينب (عليها السلام): ماذا تريدين؟ فقالت الغاسلة: إني أرى أن بدن هذه الطفلة الصغيرة مسوداً، فأي داء كانت تبتلي به؟

قالت زينب (عليها السلام): (إنها لم تكن مبتلاة بداء، ولكن اسودّ متنها من أثر الضرب بالسياط)(3).

إذن كان أطفال الإمام الحسين (عليه السلام) مهيئين لمواجهة أنواع الظلم وأشكاله، فالطفلة رقية (عليها السلام) كانت لا تفارق أبيها الحسين (عليه السلام) فكانت تفرش له السجادة للصلاة وتجلس في حضنه الشريف وبعد المعركة كانت تسأل من حولها أين أبي؟ وكانوا يقولون لها أنه سيأتي فردت رقية بأنه وعدني أن يأخذني معه وهو يريدني وأنا أريده، وعندما أتوا بالطشت الذي فيه رأس سيد الشهداء (عليه السلام) عندما أمر يزيد بذلك قالت: لا أريد طعاماً أريد أبي ولكنها بعد ذلك رأت رأس أبيها فانكبت باكية على رأسه وهي تقول: أبته أوفِ بعهدك وخذني معك.

وقد نقل عن العارف الكبير الدكتور أسعد أحمد علي موجه الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية من إحدى مكاشفاته خمس كلمات عن كيفية كانت رؤية رقية للموت يقول الدكتور أسعد علي: (إنا نموت وأنا نَمَوت) فالموت عند الناس قبض من الحياة الدنيا ولكنه عند رقية (عليها السلام) بسط في عالم الخلود؟ تكتمل فيه دورة حياة الإنسان وهو ينمو إلى غايته الكبرى الله.

وقد ترجم الشعراء المراحل التي مرت بها هذه الطفلة منذ خروج أهل البيت (عليهم السلام) مع سيد الشهداء (عليه السلام) إلى كربلاء فقد قال العلامة الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في قصيدته عاقبة المتقين:

إنها برعم وما اشــــتد منـــــها *** عــــودها الغض والفؤاد الغريرُ

لم يزل مثلها تهـــــد هذه الدنيا *** والحــــــلم والفـــــــراش الوثيرُ

فإذا بالزمان يُثـــــقل كتفـــــيها *** بما قد يــنوء مــــــــنه ثبــــــيرُ

فهي جسم يدافع السوط بالكف *** وعـــــــــين بدمــــــعها تستجيرُ

إذن هاهي بنت الحسين (عليها السلام) تجمع في استشهادها عند رأس أبيها رثاء قتلى الطفوف في واقعة كربلاء ومصائب العقيلة زينب ومواقفها… هاهي رقية وقد نالها من الظلم والأذى وهي تبكي تارة … وتتساءل تارة أخرى، تبحث، أو تفتش عن رأس أبيها الذي سار به موكب الفجرة إلى قصر يزيد.

الطفلة الأسيرة تلك التي راحت تصارع ببكائها جبروت يزيد فجسدت بصراخها روح الثورة وعندما استيقظت استل يزيد حربته ليطعنها عند رأس أبيها ظناً منه بإخماد الصراخ.

لكن صرختها استفاقت وتعالى الصراخ بين النساء وبهذا ترجم لنا العلامة الشيخ عبد المنعم الفرطوسي ذلك بقصيدته التي صور فيها تلك الخربة التي كانت في بلاد الشام… هنالك إذ يلتقط لنا شاعر أهل البيت تلك الصورة وهو يؤجج في مشاعرنا اللحظة التي شهقت فيها الطفلة المظلومة لتلقى حتفها:

وتراءى الحسين يوماً لعيني *** طفلةٍ عـــــــند ساعة الإغفاءِ

فاستفاقت وطالبت بأبــــــيها *** وتعالى الصراخ بــين النساءِ

فأتوها برأســــــه فأكــــــبت *** فــــــوقه مستــــــغيثة بالبكاءِ

شهقت شهقة فمـــاتت عليه *** حين أهوت على صعيد الفناء

أما الشيخ جعفر الهلالي فيصور لنا ذلك الضريح الذي ينبض بالحب العلوي الجدير بالهيبة والوفاء وهو يقول:

قف عند باب رقـية تتـــــضرع *** واقصد حماها فهو حصن أمنعُ

بنت الحسين سمت عُلاً وجلالةً*** لجــــــلالها هذه الخلائق خُشعُ

أبداً تأمُّ ضـــــــريحها وجـــــلالها *** وبها لـــواهب مجدها تستشفعُ

وقال الأستاذ الدكتور أسعد علي في قصيدته التي يطرز فيها ذلك الرمز روح الحياة لينتخب الموت الجميل من أجل الكرامة التي تأبى روح الذل والاستسلام:

على بينة نطقي يفاوض صمته *** ونخلة عذراء الهـــــدى تتمايلُ

ألا ليت قومي يذكرون كـــرامة *** رقية تزجــــــــيها لمن يتراسلُ

رقية رمز لا يطوقها المـــــدى *** بآدم والـــوعي الحنون يواصلُ

لتنتخب الموت الجميل نـمـــوه *** تفـــــتت زهراً فالطيوب رسائلُ

يُطــــور ما قـــــــالت رقــــــيّة *** يقام بها الموتى وتزهو الذوابلُ

ويستكمل الشاعر السويج قصيدته التي وصف فيها ذلك الدور البطولي الذي لعبته بنت الحسين في مصارعة الظلم الأموي وكأنها أرادت أن تتجلى من خلال روح جدتها فاطمة الزهراء (عليها السلام)، نعم كأنها أرادت أن تجدد العهد في قلوب زكية وهي لم تزل ترتقي وتجدد البناء حتى صار قبرها مزاراً يطوف الناس فيه غدوة وعشية:

طفلة للحسين في الشـام مــــاتت *** وهــي ولهى مع الأسارى شجية

كم أرادوا لــــــها إمــــــــاتة ذكر *** فعـــــــلت فوق مستوى فيه حية

فكأن الزهراء فيــــها تجــــــــلت *** فعليـــــــها أنــــــــوارها النـبوية

وهي أيضاً عن فــــــاطم لأبـــيها *** بضعة أحمــــــــدية علـــــــــوية

ولها فــــــي رســالة السبـط دور *** مع أطــــــــفاله لشـــرح القضية

في دُنا التضحيات مــن دون دين *** الهـــــــــدى جــــارت عليه أمية

 

وقال الأستاذ لبيب وجيه بيضون في قصيدته (رقية مهجة الحنين):

يا آل طه المصطفى أهل الكـرم *** حزتــــــــم فخاراً ليس تنساه الأمم

أنتم سراج الحق ما بين الورى *** تاج المعــــــالي أنـــــتم رمز الشيم

لا سيما بنت الحسين المجتــبى *** تعــــــلو مآذنها علــــــى كل القمم

وقبابها مشهورة في جــــــلقٍ *** تلقى الضياء على البسيطة والشمم

وقال الشيخ صادق بن الشيخ جعفر الهلالي في قصيدته (يا ابنة الطاهرين):

يا ابنة الطاهرين فيك استضاءت *** هذه الأرض بالسنا رهياً

وضعوك بخربة كالأســـــــــارى *** واستضــاموا مقامك المرضيا

وعلي السجاد في لوعة الحــزن *** ومن حـــــــوله النســاء بكيا

لم يراعوا كرامة لرســـــول الله *** فيه ولم يراعـــوا الوصـــــيا

وقال السيد مرتضى السندي (أبو حسنين) في قصيدته (مع الشهيدة الصغرى رقية (عليها السلام)):

حر قلبي لطــــفلة قــــــــتلوها *** حين نادت حـــبيبها في المنام

رأت السبط في المنام فصاحت *** أبتاه العــدى استباحت ذمامي

غبت عنا ألا تـــــعود إلــــــينا *** برحى البعد قد طحنت عظامي

عُد فسجادة الصلاة أعـــــدت *** لك يا جــوهر الصلاة والصيام(4)